خفض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي إلى 3.1% في 2026 و3.2% في 2027، في إشارة إلى تباطؤ واضح مقارنة بمعدل 3.4% المسجل خلال 2024 و2025، مع مع تعديل التنبؤات بالتخفيض 0.2 نقطة مئوية لتوقعات عام 2026 مقارنة بتحديث يناير، بينما أبقى تقديرات 2027 دون تغيير.
ورغم أن هذا الخفض يبدو محدودًا على المستوى الإجمالي، فإن الصندوق يشير إلى أن الأثر الحقيقي أكثر عمقًا، حيث يخفي المتوسط العالمي تباينًا حادًا بين الدول، مع تعرض الاقتصادات الأكثر هشاشة، خاصة المستوردة للطاقة، لضغوط أكبر بكثير من المتوسط العالمي.
يوضح التقرير أن الاقتصاد العالمي كان في طريقه لتحقيق أداء أفضل، حيث كانت التوقعات تشير إلى نمو عند 3.4% في 2026، أي بزيادة طفيفة عن تقديرات يناير، لولا اندلاع الحرب في الشرق الأوسط التي غيرت المسار بالكامل.
ويعكس هذا التحول تأثيرًا مباشرًا لاضطرابات أسواق الطاقة والنقل، إلى جانب صعود أسعار السلع الأساسية وتشديد الأوضاع المالية وارتفاع حالة عدم اليقين، وهي عوامل مجتمعة أضعفت الزخم الاقتصادي العالمي. ومع ذلك، ساهمت بعض العوامل في الحد من حدة التباطؤ، من بينها استمرار دعم السياسات الاقتصادية وتحسن البيانات في نهاية 2025، إلى جانب تراجع بعض الرسوم الجمركية.
ويبني صندوق النقد توقعاته الأساسية على افتراض أن الحرب ستكون قصيرة نسبيًا، بحيث تبدأ آثارها في التلاشي بحلول منتصف 2026، لكنه في الوقت نفسه يطرح سيناريوهات أكثر تشاؤمًا تعكس حالة عدم اليقين المرتفعة.
ففي حال استمرار الصراع لفترة أطول مع ارتفاع أسعار الطاقة، قد يتراجع النمو العالمي إلى 2.5% في 2026، مع ارتفاع التضخم إلى 5.4%. أما في السيناريو الأكثر حدة، والذي يفترض أضرارًا أوسع للبنية التحتية للطاقة، فقد يهبط النمو إلى نحو 2% فقط، وهو مستوى قريب من الركود العالمي، بينما يتجاوز التضخم 6% بحلول 2027.
ويشير التقرير إلى أن هذه السيناريوهات مدفوعة بشكل أساسي بارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب تشديد الأوضاع المالية وارتفاع توقعات التضخم، مع تأكيد أن الاقتصادات الناشئة ستكون الأكثر تضررًا مقارنة بالاقتصادات المتقدمة.
ويتوقع الصندوق أن يرتفع معدل التضخم العالمي إلى 4.4% في 2026 قبل أن يتراجع إلى 3.7% في 2027، في مراجعة صعودية للتوقعات السابقة، بما يعكس عودة الضغوط السعرية بعد فترة من التراجع النسبي.
ويعزى هذا الارتفاع إلى صدمة أسعار الطاقة والغذاء، إلى جانب انتقال هذه الضغوط إلى توقعات التضخم، وهو ما يزيد من تعقيد مهمة البنوك المركزية. ويحذر التقرير من أن استمرار الصدمات أو تراجع مصداقية السياسات النقدية قد يؤدي إلى تثبيت التضخم عند مستويات مرتفعة لفترة أطول.
ومن المتوقع أن تسجل الاقتصادات المتقدمة نموًا عند 1.8% في 2026 و1.7% في 2027، مع تأثير إجمالي محدود نسبيًا للحرب، لكنه يظل غير متوازن بين الدول.
وبينما تستفيد بعض الاقتصادات مثل الولايات المتحدة جزئيًا من كونها مصدرًا للطاقة، تواجه اقتصادات أخرى، خاصة في أوروبا، ضغوطًا أكبر نتيجة اعتمادها على واردات الطاقة، وهو ما ينعكس على تباطؤ نشاطها الاقتصادي.
وخفض الصندوق توقعاته لنمو الاقتصادات الناشئة والنامية بنحو 0.3 نقطة مئوية في 2026، مع تعرضها لضغوط مركبة تشمل ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، وتراجع عملاتها، وتشديد الأوضاع المالية العالمية.
ويؤكد التقرير أن الدول منخفضة الدخل والمستوردة للطاقة هي الأكثر عرضة للتأثر، حيث تتفاقم الضغوط عليها نتيجة ارتفاع تكاليف الاستيراد وتراجع القدرة على امتصاص الصدمات الخارجية.
وتظهر التوقعات أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ستكون الأكثر تأثرًا بالصدمة الحالية، حيث يتراجع النمو إلى 1.1% في 2026 قبل أن يرتفع إلى 4.8% في 2027 مع افتراض عودة الاستقرار.
ويرتبط هذا التراجع بتأثيرات مباشرة للحرب على الإنتاج والنقل والبنية التحتية، إلى جانب الارتباط الوثيق لاقتصادات المنطقة بأسواق الطاقة، ما يجعلها في قلب الصدمة الحالية، لكنها أيضًا مرشحة لقيادة التعافي في حال استقرار الأوضاع.