بقلم د/ أحمد الدمرداش
رئيس مجموعة الأجور والمزايا بالبنك الأهلي المصري
لنتكلم بصراحة كثير ممن يطلق عليهم قادة لا يقودون فعلا، بل يعوضون قلقهم بالتدخل المستمر. يظنون ان كثرة المتابعة حضور قيادي، وان الدخول في كل تفصيلة دليل حرص، بينما الحقيقة انهم يخفون خوفهم من فقدان السيطرة خلف ما يسمونه قيادة.
يتحول القائد في هذه الحالة الى نقطة ارتكاز لكل شيء. كل مشكلة تمر من خلاله، كل توتر يتوقف عنده، وكل قرار يحتاج الى تفسير اضافي. ومع الوقت لا يصبح قائدا، بل يصبح عبئا على النظام الذي يفترض انه يقوده.
في كتاب نظرية التغافل – The Let Them Theory تقدم ميل روبينز فكرة بسيطة في صياغتها، قاسية في تطبيقها القيادي تتركز حول دعهم يتصرفون . ليس باعتبارها انسحابا، بل باعتبارها استعادة للدور الحقيقي للقائد. فالقائد لا يوجد ليدير مشاعر الناس، بل ليدير الاتجاه الذي يسيرون فيه.
اكبر وهم في القيادة هو الاعتقاد ان القائد الجيد هو من يمنع الصدام ويصلح كل شيء بنفسه. هذا الوهم يخلق قادة مرهقين، مستنزفين، ومحاصرين في التفاصيل اليومية، ويصنع فرق عمل تعتمد على وجود القائد اكثر مما تعتمد على النظام.
القيادة لا تنهار عندما تنقص الكفاءة، بل عندما يحاول القائد التحكم في ما لا يمكن التحكم فيه. مشاعر الناس، قناعاتهم، ردود افعالهم، ورغبتهم في الالتزام. هنا يبدأ الخلط بين الدعم والانقاذ، وبين التعاطف والتورط، وتتحول القيادة من توجيه واع الى تدخل دائم.
التغافل في القيادة لا يعني التجاهل ولا الضعف، بل يعني ان يختار القائد معاركه بوعي، ويضع حدودا واضحة، ويترك المسؤولية في مكانها الصحيح. القائد الناضج يدير الاطار الذي يعمل فيه الفريق، ولا يستهلك طاقته في ادارة الاشخاص واحدا واحدا.
عندما لا يتغافل القائد، يصبح مركزا للشكاوى، ويتحول الى من يبرر اكثر مما يقرر. يفقد وضوح الاتجاه، ويقضي وقته في اصلاح ما لم ينكسر اصلا. اما عندما يتغافل، فانه يستعيد مساحته الذهنية، ويعيد للفريق مسئوليته، ويجبر النظام على العمل كما صمم له.
هناك سؤال صادم يجب ان يسبق اي تدخل قيادي: هل هذا ضمن دوري فعلا، ام انني اتدخل فقط كي اشعر بالاهمية؟ كثير من التدخلات لا تاتي من ضرورة تنظيمية، بل من احتياج داخلي غير معلن لدى القائد.
القيادة الحقيقية غير مريحة. ستساء فهمك، وسيغضب البعض، وقد تتهم بالبرود. لكن القيادة ليست علاجا جماعيا، وليست محاولة دائمة لارضاء الجميع. القيادة قرار واتجاه وحدود.
اذا لم يتحرك الفريق الا بوجودك الدائم، فانت لا تقود، انت تمسك العصا. القائد الناضج يحدد الاتجاه، يوضح التوقعات، يبين العواقب، ثم يتغافل ويترك للناس حرية الاختيار.
الخلاصة ان التغافل ليس ضعفا. الضعف هو الخوف من ترك الاخرين يواجهون نتائج افعالهم. وهنا فقط تتحول القيادة من استنزاف دائم الى تأثير حقيقي ومستدام.
القيادة لا تعني ان تحمل الجميع على كتفيك، بل ان تعرف متى تنزل الحمل وتترك الناس يسيرون وحدهم.
من لا يتغافل، لا يقود بل يستنزف نفسه ويعطل النظام.