خرج نحو 16.9 مليار دولار من استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومي المصري بالعملة المحلية خلال نحو 7 أسابيع، بالتزامن مع تراجع شهية المستثمرين تجاه الأسواق الناشئة وتصاعد التوترات الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، قبل أن تستعيد السوق جانبًا كبيرًا من هذه التدفقات مع انحسار التوترات الإقليمية، وفقًا لتقرير خبراء صندوق النقد الدولي الصادر مؤخراً.
وجاءت هذه البيانات ضمن تقرير خبراء الصندوق الخاص بالمراجعة السابعة لبرنامج مصر المدعوم بـ«تسهيل الصندوق الممدد»، والمراجعة الثانية لاتفاق «تسهيل الصلابة والاستدامة»، واللتين أقرهما المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي في 30 يوليو الماضي.
حيازات الأجانب تهبط بأكثر من 43%
وكشف صندوق النقد الدولي أن حيازات غير المقيمين من الدين الحكومي المحلي في مصر سجلت مستوى قياسيًا بلغ 39.1 مليار دولار في 18 فبراير 2026، قبل أن تتراجع إلى 22.2 مليار دولار في 8 أبريل، بانخفاض تجاوز 43%.
وأشار الصندوق إلى أن انعكاس تدفقات المحافظ جاء نتيجة تراجع شهية المخاطرة العالمية تجاه الأسواق الناشئة، بالتزامن مع حلول آجال استحقاق كبيرة لأذون الخزانة خلال مارس.
وتزامنت موجة خروج الاستثمارات مع ارتفاع أسعار النفط واضطراب الأسواق المالية عقب اندلاع الحرب، ما زاد من حساسية تدفقات المستثمرين الأجانب تجاه تحركات أسعار الطاقة ومستويات المخاطرة العالمية.
وأتاح استكمال المراجعتين لمصر الحصول على تمويلات بنحو 1.8 مليار دولار، موزعة بين نحو 1.5 مليار دولار من «تسهيل الصندوق الممدد» و272 مليون دولار من «تسهيل الصلابة والاستدامة».
عودة التدفقات الأجنبية
بدأت حيازات غير المقيمين في التعافي بصورة محدودة خلال مايو، قبل أن ترتفع إلى 36.4 مليار دولار بحلول 24 يونيو، عقب توقيع الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران وعودة جانب من شهية المستثمرين تجاه الأسواق الناشئة.
وبذلك استعادت السوق نحو 14.2 مليار دولار من التدفقات التي خرجت خلال فترة الأزمة، إلا أن حيازات الأجانب ظلت أقل بنحو 2.7 مليار دولار من المستوى القياسي المسجل في فبراير.
ورغم هذا التعافي، حذر صندوق النقد من أن استثمارات المحافظ لا تزال شديدة التأثر بالتغيرات في معنويات المستثمرين عالميًا، والتي أصبحت مرتبطة بصورة متزايدة بتقلبات أسعار النفط العالمية.
الجنيه المصري يتراجع بنحو 14% إلى 17%
وأدت موجة خروج رؤوس الأموال إلى تراجع سعر صرف الجنيه المصري بنحو 14% إلى 17% بين أعلى وأدنى مستوى له خلال مارس، وفقًا لتقرير صندوق النقد الدولي.
ومع عودة استثمارات المحافظ، استعاد الجنيه جانبًا كبيرًا من خسائره، ليصبح أضعف بنحو 2.5% فقط مقارنة بمستواه السابق لاندلاع الحرب.
وقال الصندوق إن الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والمؤشرات التي تعكس السعر المتوازن وفقًا لقوى السوق ظلت مغلقة طوال الأزمة، كما لم تسجل البنوك طلبات متراكمة غير ملباة على النقد الأجنبي.
وأضاف أن البنك المركزي المصري لم يتدخل في سوق الصرف خلال هذه الفترة، فيما واصلت سوق العملات بين البنوك عملها بصورة منتظمة، ونفذت البنوك معاملاتها وفقًا لظروف العرض والطلب، بما دعم استمرار عملية اكتشاف السعر.
ويمثل أداء سعر الصرف خلال الأزمة اختبارًا لنظام الصرف المرن الذي يشدد صندوق النقد على ضرورة الحفاظ عليه، بعدما كان تثبيت العملة وتراكم الطلب على الدولار من أبرز الاختلالات التي سبقت تعديل برنامج مصر في مارس 2024.
صافي الأصول الأجنبية للبنوك يتراجع 60%
وانعكست التدفقات الخارجة كذلك على صافي الأصول الأجنبية لدى البنوك المصرية، الذي تراجع من مستوى قياسي بلغ 14.5 مليار دولار في يناير إلى 5.8 مليار دولار بنهاية مارس.
وبذلك فقد صافي الأصول الأجنبية لدى البنوك نحو 8.7 مليار دولار، بما يعادل 60% خلال شهرين، قبل أن يتعافى جزئيًا إلى 7.7 مليار دولار في مايو.
ورغم الضغوط، ظل إجمالي الاحتياطيات الدولية أعلى من 114% من مقياس كفاية الاحتياطيات التابع لصندوق النقد بنهاية مارس، واستمر عند مستويات قوية مع تجدد التدفقات الأجنبية.
وأشار التقرير إلى أن البنك المركزي اشترى عملات أجنبية من السوق بعد عودة التدفقات، في الوقت الذي لم يستخدم فيه الاحتياطيات للتدخل بهدف توجيه سعر الصرف خلال موجة خروج الاستثمارات.
وكان إجمالي الاحتياطيات الدولية قد بلغ 64 مليار دولار بنهاية يناير، بما يعادل نحو 119% من مقياس كفاية الاحتياطيات، وفقًا لصندوق النقد الدولي.
وأوضح التقرير أن بيانات إجمالي الاحتياطيات الدولية التي يستخدمها صندوق النقد تختلف عن صافي الاحتياطيات الأجنبية الذي يعلنه البنك المركزي المصري دوريًا، نتيجة اختلاف نطاق ومكونات كل مؤشر.
صندوق النقد يحذر من هشاشة التمويل
واعتبر صندوق النقد الدولي أن مصر دخلت الأزمة الأخيرة من وضع اقتصادي أقوى مقارنة بموجات الضغوط الخارجية السابقة، مدعومة بتحسن معدلات النمو والتضخم والاحتياطيات الدولية والرصيد الأولي للموازنة.
لكن الصندوق حذر في الوقت نفسه من استمرار مواطن الضعف المرتبطة بارتفاع الدين العام وضخامة الاحتياجات التمويلية، التي لا يزال جزء كبير منها قصير الأجل ويعتمد على التدفقات الأجنبية.
ويرى الصندوق أن الحفاظ على مرونة سعر الصرف، إلى جانب اتباع سياسة نقدية متشددة وإدارة أكثر كفاءة للدين العام، يمثل عوامل أساسية لتعزيز قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة تقلبات تدفقات المحافظ والصدمات الخارجية خلال الفترة المقبلة.