أكد أحمد منير، رئيس المختبر التنظيمي بالبنك المركزي المصري، أن توظيف البيانات البديلة والتحليل السلوكي يمثل أحد المسارات المهمة لتطوير منظومة التقييم الائتماني، بما يدعم توجهات البنك المركزي نحو تبني التقنيات المالية الحديثة، وعلى رأسها تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وتوسيع نطاق الشمول المالي.
وأوضح منير أن التقييم السلوكي القائم على تحليل البيانات البديلة يعكس تطور توجهات البنك المركزي في دعم الابتكار المالي، من خلال الاستفادة من التقنيات الحديثة لتطوير الخدمات المصرفية وجعلها أكثر سهولة وملاءمة لاحتياجات العملاء، إلى جانب إتاحة الفرصة لابتكار منتجات وخدمات مالية جديدة.
وأشار إلى أن هذه التقنيات يمكن أن تسهم في توسيع قاعدة المستفيدين من الخدمات المالية، خاصة الفئات التي لا تمتلك سجلًا ائتمانيًا تقليديًا أو تواجه صعوبات في الحصول على التمويل نتيجة عدم توافر بيانات كافية عن تعاملاتها المالية السابقة.
وأضاف أن المختبر التنظيمي يمثل إحدى الأدوات الرئيسية التي يعتمد عليها البنك المركزي لدعم الابتكار في القطاع المالي، ولا يقتصر دوره على توفير بيئة تجريبية لاختبار الحلول والتطبيقات الجديدة، بل يمتد إلى وضع إطار رقابي متكامل يسمح بتقييم هذه الحلول، وفهم المخاطر المرتبطة بها، وقياس مدى ملاءمتها للتطبيق داخل السوق.
ولفت منير إلى أن تطوير نماذج التقييم السلوكي يتطلب تعاونًا بين الجهات المعنية، وتوفير الأدوات والقدرات الفنية والتنظيمية اللازمة لدراسة النماذج الجديدة بصورة شاملة، مع مراعاة الجوانب المرتبطة بالأمن والمرونة والقدرة على التعامل مع المخاطر المحتملة.
وأوضح أن الاعتماد على البيانات البديلة يتيح بناء صورة أكثر شمولًا عن السلوك المالي للعملاء، من خلال تحليل أنماط تعاملاتهم والالتزامات التي يحرصون على الوفاء بها، بدلًا من الاقتصار على البيانات التقليدية والسجل الائتماني وحدهما.
وأشار إلى أن هذا النهج يكتسب أهمية خاصة بالنسبة للأفراد الذين لا يمتلكون تاريخًا ائتمانيًا كافيًا، إذ قد تحولهم محدودية البيانات المتاحة إلى فئات يصعب على المؤسسات المالية تقييمها، رغم امتلاكهم القدرة الفعلية على الالتزام بسداد التمويلات.
وأكد منير أن التقييم الائتماني لا ينبغي أن يعتمد على مؤشر واحد، بل يتطلب الفصل بين جانبين أساسيين؛ الأول يتعلق بقدرة العميل الفعلية على السداد، والثاني يرتبط بمدى استعداده والتزامه بالسداد، وهو ما يمكن الاستدلال عليه من خلال تحليل سلوكه المالي باستخدام البيانات البديلة.
وأوضح أن تقييم القدرة على السداد يختلف عن قياس الرغبة في الالتزام بالمدفوعات، فقد يمتلك العميل القدرة المالية لكنه لا يلتزم بالسداد، بينما يوفر السجل السلوكي مؤشرات إضافية تساعد على فهم طبيعة تعاملاته ومدى انتظامه في الوفاء بالتزاماته.
وشدد على ضرورة عدم تعميم نتائج النماذج التقييمية على جميع العملاء، أو اعتبار نجاحها مع شريحة معينة دليلًا على نجاحها مع بقية الشرائح، موضحًا أن اختلاف الخصائص والسلوكيات المالية بين الفئات يتطلب اختبار النماذج على شرائح متنوعة، والتأكد من قدرتها على تقديم نتائج دقيقة وعادلة.
وفي هذا السياق، أوضح منير أن نموذج التقييم السلوكي (Behavioral Scoring)، يعتمد على تحليل البيانات المتاحة ورسم صورة عن السلوك المالي للعميل، بما يساعد على تقييم سلوكه وتوقع مدى التزامه وقدرته على الوفاء بالتزاماته المالية.
وأشار إلى أن أهمية هذا النموذج تكمن في قدرته على دعم الشمول المالي من خلال إتاحة الفرصة أمام شرائح من العملاء الذين لا يمتلكون تاريخاً ائتمانياً سابقاً للانضمام إلى المنظومة المالية والمصرفية، بعدما كان غياب هذا التاريخ يمثل عائقاً أمام حصولهم على الخدمات الائتمانية.
وأضاف أن التقييم السلوكي يعزز كذلك كفاءة القرارات الائتمانية عند استخدامه كعامل مكمل لأدوات التقييم التقليدية، موضحاً أن التقييم الائتماني يستند بصورة أساسية إلى عنصرين، أولهما قدرة العميل على السداد (Ability to Pay)، وثانيهما رغبته واستعداده للوفاء بالتزاماته (Willingness to Pay).
ولفت إلى أن النماذج التقليدية للتقييم الائتماني تركز بصورة أكبر على قياس القدرة المالية للعميل على السداد، بينما يتيح التقييم السلوكي قياس مدى التزامه من خلال تحليل بيانات بديلة، مثل انتظامه في سداد فواتير الخدمات والمحمول، والالتزام بمواعيد السداد، وأنماط الإنفاق والفواتير، بما يوفر مؤشرات إضافية حول سلوكه المالي ومدى موثوقيته.
وأكد أن استخدام هذه البيانات إلى جانب أدوات التقييم الائتماني التقليدية يسهم في تحسين جودة وكفاءة القرارات الائتمانية، فيما يتيح استخدامها لتقييم العملاء الجدد الذين لا يمتلكون تاريخاً ائتمانياً سابقاً توسيع قاعدة المستفيدين من الخدمات المالية، ودعم دمج شرائح جديدة في السوق.
وفيما يتعلق بتجربة اختبار النموذج، أوضح أن البنك المركزي اتبع منهجية تدريجية ومتحفظة، بدأت في 15 فبراير بمشاركة بنك واحد هو بنك قطر الوطني الأهلي (QNB)، مع التركيز في البداية على شريحة محدودة من العملاء، شملت العملاء الذين يحصلون على رواتبهم من خلال البنوك (Payroll Customers)، إلى جانب الشرائح التي تتمتع بضمانات أو تاريخ تعاملات أكثر استقراراً.
وأضاف أنه مع تقدم الاختبارات وتوافر مؤشرات إيجابية بشأن أداء النموذج، تقرر توسيع نطاق التجربة لتشمل شرائح أخرى من العملاء، بما في ذلك العملاء غير الحاصلين على ضمانات ائتمانية (Unsecured Customers)، للتأكد من كفاءة النموذج وقدرته على العمل مع شرائح متنوعة، إذ لا يعني نجاحه مع فئة معينة بالضرورة نجاحه مع الفئات الأخرى.
وأشار إلى أن التجربة شهدت انضمام بنوك جديدة على مراحل، من بينها بنك المشرق، ثم البنك التجاري الدولي (CIB) والبنك الأهلي المصري، ليصل إجمالي البنوك المشاركة حالياً إلى خمسة بنوك، بما يعزز تنوع العينة والشرائح التي يخضع النموذج للاختبار عليها.
وأوضح أن العدد المستهدف في البداية ضمن بيئة الاختبار التنظيمية بلغ 1500 عميل، إلا أن العدد الفعلي تجاوز هذا المستهدف بنحو أربعة إلى خمسة أضعاف، مؤكداً أن معيار النجاح لا يرتبط بعدد العملاء بقدر ارتباطه بجودة المنتج الائتماني الناتج عن تطبيق النموذج.
وأضاف أن البنك المركزي وضع مجموعة من المؤشرات والمعايير لتقييم كفاءة النموذج، تشمل متابعة المسار الائتماني للعملاء وسلوكهم في السداد، ورصد المعاملات خلال فترة زمنية كافية، فضلاً عن قياس معدلات التعثر (Default Rate) قبل تطبيق النموذج وبعده، للتحقق مما إذا كان استخدامه قد أسهم في خفض معدلات التعثر أو الحفاظ عليها مع توسيع نطاق المستفيدين من التمويل.