تحليل تكتبه – دينا عبد الفتاح
الأسواق العالمية تدخل مرحلة إعادة تموضع.. والمستثمرون أمام واقع جديد.
البنوك المركزية تقلّص اعتمادها على الدولار وتزيد مشترياتها من الذهب.
اليوم تلتقي أنظار العالم على مدينة تيانجين الصينية، حيث تنعقد قمة منظمة شنغهاي للتعاون بمشاركة قادة من روسيا والهند وإيران ودول آسيا الوسطى. على السطح قد يبدو اللقاء كغيره من القمم الدولية، لكن خلف الكواليس تتبلور إشارات قد تعيد تشكيل النظام المالي العالمي. فالمسار الذي كان يُنظر إليه باعتباره عملية بطيئة لنزع هيمنة الدولار، قد يجد نفسه أمام تسارع غير متوقع بفضل التحرك الصيني الحالي.
منذ الحرب العالمية الثانية، لم يعرف النظام النقدي الدولي منافسًا جادًا للدولار. لكنه يدخل اجتماع اليوم في وضع مختلف: حصة الدولار من الاحتياطيات العالمية تراجعت إلى نحو 58%، نزولًا من أكثر من 70% قبل عقدين. في الوقت نفسه، البنوك المركزية تواصل شراء الذهب بكميات قياسية، والصين تضاعف وارداتها عبر هونغ كونغ، في خطوة لا يمكن قراءتها إلا باعتبارها إعادة توزيع صريحة من الدولار إلى أصول بديلة أكثر أمانًا.
إحدى الركائز الأساسية لهذا التحول تكمن في التسويات التجارية بالعملات المحلية. إذا خرجت القمة بتفاهمات عملية بين بكين وموسكو ونيودلهي وطهران حول تسعير الطاقة أو السلع الأساسية خارج الدولار، فإن ذلك سيُفسَّر فورًا كسحب للطلب الهيكلي على العملة الأميركية.
هنا يصبح التأثير نفسيًا ومباشرًا: الأسواق لا تنتظر التنفيذ الكامل، بل تكفيها الإشارات لتعيد تقييم مراكزها بسرعة.
في موازاة ذلك، يكتسب اليوان الرقمي أهمية متزايدة. بكين لا تروّج له كأداة تكنولوجية فحسب، بل كجزء من بديل مؤسسي لشبكات المدفوعات الدولية الخاضعة لهيمنة واشنطن. أي إعلان من تيانجين عن اعتماد هذه الآلية في التجارة بين دول منظمة شنغهاي سيُعدّ نقطة تحول رمزية، ترسّخ أن البدائل لم تعد نظرية بل باتت قابلة للتطبيق.
الأمر لا يقف عند حدود الخارج. فالتوقيت يلعب في صالح بكين. الولايات المتحدة تواجه في الداخل عجزًا ماليًا متصاعدًا، دينًا عامًا متفاقمًا، وضغوطًا على الاحتياطي الفيدرالي لخفض أسعار الفائدة. في مثل هذا السياق، أي رسالة سياسية–اقتصادية من الصين ستجد أرضًا خصبة لتترجم إلى تراجع سريع في قيمة الدولار، أسرع مما كان يتوقعه معظم المستثمرين وصنّاع السياسات.
في المحصلة، ما سيخرج من تيانجين وبكين هذا الأسبوع لن يكون مجرد بيان مشترك أو صور جماعية. سيكون رسالة إلى الأسواق بأن مرحلة التعددية النقدية قد بدأت تتجسد. قصير الأجل، سيكسب الذهب واليوان دعمًا إضافيًا. متوسط الأجل، ستتوسع التسويات غير الدولارية في قطاعات الطاقة والسلع. أما بعيد الأجل، فالدولار سيبقى عملة أولى لكنه سيفقد موقعه كعملة “بلا منازع”